Stichting Alcauther

على هامش بيان سماحة المرجع الاعلى السيد السيستاني بخصوص انتخابات اعضاء البرلمان العراقي لسنة ٢٠١٨

‎لو قرأنا بامعان البيان الذي اصدره سماحة المرجع الاعلى بشأن الانتخابات الحالية لوجدنا انه يعالج كل الاشكاليات التي تتعلق بالعملية الانتخابية وتثبط الناخب عن المشاركة
‎.. فقد تناولها البيان من ابعاد خمسة .. فتناولها اولا من حيث اهميتها وضرورتها كعملية انتخابية .. وتناولها ثانيا من حيث ضرورة ان تتم من خلال قانون انتخابي عادل .. وتناولها ثالثا من حيث الاسس التي يجب ان يتنافس على ضوئها المرشحون .. وتناولها رابعا من حيث المعايير التي يجب على الناخب ان يحتكم اليها في انتخابه للمرشح .. وتناولها خامسا من حيث ضرورة وعي الناخب لقيمة صوته .. وبذلك يكون البيان قد رسم الطريق الواضح والمفصل للعملية الانتخابية وللمرشح وللناخب 
‎فاما بالنسبة للعملية الانتخابية فقال(( لا بديل عن سلوك هذا المسار في حكم البلد ان اريد له مستقبل ينعم فيه الشعب بالحرية والكرامة ويحظى بالتقدم والازدهار ويحافظ فيه على قيمه الاصيلة ومصالحه العليا )) .. فالبيان هنا يضع المواطن والوطن امام خيار واحد ومسار فارد لا بديل عنه وهو المسار الذي (( يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع في انتخابات دورية حرة ونزيهة )) ووصفه بانه ((المسار الصحيح والمناسب لحاضر البلد ومستقبله)) وهذا يعني بان اي مسار اخر لا يكون صحيحا ولا مناسبا لحاضر البلد ومستقبله لانه قد يؤدي الى ((الوقوع في مهالك الحكم الفردي والنظام الاستبدادي)) الذي ذاقت الشعوب المختلفة منه الويلات.. وبذلك يتضح بان كل من يريد الخير للعراق واهله لا بد له من ان يدعم هذا الخيار ويسدده ويساهم بترسيخه .. ولا شك في ان الاشتراك في الانتخابات له اهميته القصوى في انجاح هذا المسار وترسيخه وانضاجه 
‎وفي سياق اصلاح العملية الانتخابية اشار البيان الى ضرورة ان ((يكون القانون الانتخابي عادلا)) وهذا ايضا يستدعي الحرص على المشاركة في الانتخابات من اجل ايصال اناس حريصين على تشريع مثل هذا القانون الى البرلمان
‎وبشأن اصلاح العملية الانتخابية ايضا دعا الى ضرورة (( أن يُمنع التدخل الخارجي في أمر الانتخابات سواء بالدعم المالي أو غيره)) .. ودعا الى ان ((تُشدّد العقوبة على ذلك)) وهذا ايضا يجب ان يدفع باتجاه المشاركة في الانتخابات للمساهمة بايصال الاشخاص الذين يحرصون على منع التدخل الخارجي في الانتخابت وعلى تشريع العقوبات في هذا المجال 
‎وعلى الرغم من الاخفاقات الكثيرة في التجارب الانتخابية السابقة وادارة الحكم فقد ذكر البيان (( ولكن يبقى الامل قائماً بإمكانية تصحيح مسار الحكم وإصلاح مؤسسات الدولة من خلال تضافر جهود الغيارى من ابناء هذا البلد واستخدام سائر الوسائل القانونية المتاحة لذلك)) ومن الواضح ان اهم الوسائل القانونية المتاحة للناخب هي الانتخابات فعليه ان لا يفرط بها
‎واما ما يتعلق بالشروط التي يجب ان يراعيها المرشحون فقد ذكر البيان ((ان تتنافس القوائم الانتخابية على برامج اقتصادية وتعليمية وخدمية قابلة للتنفيذ بعيداً عن الشخصنة والشحن القومي او الطائفي والمزايدات الاعلامية)) .. وفي هذه العبارة توجيه للناخب ايضا بان يأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار ويتعاطى معها بمنتهى الجدية عند الانتخاب فلا ينتخب من ليس لديه برنامج انتخابي مناسب .. وتدفع هذه النقطة ايضا باتجاه ضرورة الاشتراك في الانتخابات للحيلولة دون وصول اصحاب البرامج غير المناسبة الى البرلمان 
‎واما ما يتعلق بالناخب فعلى الرغم من ان البيان شدد على انه ((ليس هناك ما يُلزمه بممارسة هذا الحق الا ما يقتنع هو به من مقتضيات المصلحة العليا لشعبه وبلده)) فانه حذر من عدم المشاركة في الانتخابات فقال (( نعم ينبغي ان يلتفت الى ان تخليه عن ممارسة حقه الانتخابي يمنح فرصة اضافية للآخرين في فوز منتخبيهم بالمقاعد البرلمانية وقد يكونون بعيدين جداً عن تطلعاته لأهله ووطنه)) . 
‎وبخصوص اتخاذ الناخب لقراره في المشاركة او عدمها قال البيان (( فينبغي أن يتخذه عن وعي تام وحرصٍ بالغٍ على مصالح البلد ومستقبل ابنائه)) ومن الواضح ان الحرص على مصالح البلد ومستقبل اهله يستوجب المشاركة لان عدم المشاركة قد يؤدي الى فوز البعيدين جدا عن تطلعات المواطن والوطن وهو ما حذر البيان منه
‎كما انه شدد على ضرورة ((وعي الناخبين لقيمة اصواتهم ودورها المهم في رسم مستقبل البلد فلا يمنحونها لأناس غير مؤهلين ازاء ثمن بخس ولا اتّباعاً للأهواء والعواطف او رعايةً للمصالح الشخصية او النزعات القَبلية او نحوها)) .. ومع الالتفات الى ضرورة الصوت الواحد واهميته في رسم مستقبل البلد لا بد من الحرص على عدم التفريط به من خلال الاصرار على المشاركة في الانتخابات اولا وانتخاب من يستحق الانتخاب من المرشحين ثانيا.
‎ واما عن الضوابط التي يجب ان يراعيها الناخب فقال البيان ((فالعبرة كل العبرة بالكفاءة والنزاهة، والالتزام بالقيم والمبادئ، والابتعاد عن الاجندات الاجنبية، واحترام سلطة القانون، والاستعداد للتضحية في سبيل انقاذ الوطن وخدمة المواطنين، والقدرة على تنفيذ برنامج واقعي لحلّ الأزمات والمشاكل المتفاقمة منذ سنوات طوال))
‎واما عن الذين اشتركوا في الحكم والبرلمان فلم يقل البيان بانهم كلهم فاسدون وانما قال ان الكثير منهم هكذا. فقال (( ومن المؤكد ان الاخفاقات التي رافقت التجارب الانتخابية الماضية ـ من سوء استغلال السلطة من قبل كثيرٍ ممن انتخبوا او تسنّموا المناصب العليا في الحكومة، ومساهمتهم في نشر الفساد وتضييع المال العام بصورة غير مسبوقة))
‎فلاحظ قوله ((من قبل كثير ممن انتخبوا او تسنّموا المناصب العليا في الحكومة)) وهذا يعني بان هناك من يمكن ان يوثق به من الذين انتخبوا في السابق او الذين تسلموا مناصب عليا في الحكومة 
‎كما ان البيان لم يميز بين المجربين وغير المجربين.. فبعد ان طالب الناخب باعتماد الكفاءة والنزاهة والالتزام بالقيم والمبادئ وغير ذلك من المواصفات قال (( والطريق الى التأكد من ذلك هو الاطلاع على المسيرة العملية للمرشحين ورؤساء قوائمهم ـ ولا سيما من كان منهم في مواقع المسؤولية في الدورات السابقة ـ لتفادي الوقوع في شِباك المخادعين من الفاشلين والفاسدين، من المجرَّبين أو غيرهم.)) وبذلك فهو لم يميز بين المجربين وغير المجربين وطالب الناخب بالتاكد من اتصاف المرشح بالمواصفات المطلوبة قبل ان يقدم على انتخابه.

‎ويمكن تلخيص اهم ما جئنا على ايضاحه بما يلي:-
‎-١- ان العملية الانتخابية مهمة وضرورية لحاضر البلد ومستقبله. بل انه لا بديل عنها في تحقيق التقدم والازدهار . ولذا فان مشاركة الناخبين المخلصين فيها سوف يساهم في البناء والتقدم
‎-٢- على الغيارى من ابناء البلد ان يبذلوا ما في وسعهم في سبيل تصحيح المسار وتسديده وانضاجه وتكريسه. ومن الواضح ان المشاركة في الانتخابات تشكل الخطوة الاهم على هذا الطريق
‎-٣- ان الانتخاب يجب ان يكون على اساس كفاءة ونزاهة المرشح وبرنامجه الانتخابي سواء كان المرشح من المجربين ام من غير المجربين. فالمجرب الذي ثبت صلاحه يستحق من الناخب ان يثق به وينتخبه. ومن الواضح ان انتخابه اولى من انتخاب غير المجرب المجهول الحال 
‎-٤- يجب على الناخب ان يعي قيمة صوته واهميته في التغيير نحو الافضل ولذا عليه ان لا يفرط به لا بمقاطعة النتخابات ولا بالتصويت لغير المناسب من المرشحين 
‎-٥- اذا كانت الانتخابات بهذه الدرجة العالية من الاهمية فلا تصح المقاطعة ابدا .. ويمكن ان تكون المقاطعة سببا في تدهور الاوضاع اكثر فاكثر وهذا ما يجب ان يعمل المخلصون بجد على عدم وقوعه
‎-٦- يجب الحذر من المقاطعة لانها قد تأتي بمن هو بعيد جدا عن قيم المواطن ومبادئه ومصالحه الحيوية. وحينئذ لا ينفع الندم
‎-٧- ان الذين يفكرون بالمقاطعة هم المواطنون الذين لا يرتبطون بالاحزاب والتكتلات المختلفة اما التابعون للاحزاب وغيرها فانهم يحرصون على المشاركة في الانتخابات بكل ثقلهم لانهم يحرصون جدا على ايصال جماعتهم الى البرلمان وانهم ربما يفرحون كثيرا بعدم مشاركة الاخرين في الانتخابات وربما يشجعونهم على عدم المشاركة ويظهرون لهم بانهم هم ايضا لا يريدون الاشتراك في الانتخابات.. كل ذلك من اجل ان يقتنع المنافسون لهم بمقاطعة الانتخابات فيصفو لهم الجو وينجحوا في ايصال صاحبهم الى البرلمان .. ومن هنا تأتي اهمية وضرورة مشاركة المواطنين غير التابعين للاحزاب وغيرها مشاركة فاعلة وباعلى كثافة ممكنة لكي ينجحوا بقلب المعادلة القائمة حاليا وتحسين الاوضاع
‎-٨- مع ادراك اهمية وضرورة المشاركة في الانتخابات وملاحظة سائر النقاط المذكورة انفا .. فان استطاع الناخب ان يجد المرشح الصالح والمناسب وينتخبه فهذا هو المطلوب .. واما على افتراض انه لم يستطع ان يجد شخصا صالحا من بين المرشحين ووجد نفسه بين ان ينتخب المرشح الاقل سوءا او ينتخب المرشح الاكثر سوءا فعليه ان لا يجعل هذا سببا لعدم المشاركة في الانتخابات. وعليه ان يشارك بكل جدية فيها وينتخب الاقل سوءا. لانه حينئذ سوف يساهم في منع المرشح الاكثر سوءا من الوصول الى البرلمان وهو عمل وطني واخلاقي كبير وكبير جدا

مصطفى محمد

 

كل ما ينشر من المقالات والآراء والتعليقات وكذلك في الصفحة الحرة لا يعبر بالضرورة عن رأي الموقع باي شكل من الاشكال ، ويتحمل الكاتب وحده جميع التبعات .